فصل: تفسير الآيات رقم (52- 53)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآية رقم ‏[‏35‏]‏

‏{‏قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

استجاب الله له دعوتيه وزاده تفضلاً بما لم يسأله فاستجابة الدعوة الثانية بقوله ‏{‏سنشد عضدك بأخيك‏}‏، واستجابة الأولى بقوله ‏{‏فلا يصلون إليكما‏}‏، والتفضل بقوله ‏{‏ونجعل لكما سلطاناً‏}‏، فأعطى موسى ما يماثل ما لهارون من المقدرة على إقامة الحجة إذ قال ‏{‏ونجعل لكما سلطاناً‏}‏‏.‏ وقد دل على ذلك ما تكلم به موسى عليه السلام من حجج في مجادلة فرعون كما في سورة الشعراء، وهنا وما خاطب به بني إسرائيل مما حكي في سورة الأعراف‏.‏ ولم يحك في القرآن أن هارون تكلم بدعوة فرعون على أن موسى سأل الله تعالى أن يحلل عقدة من لسانه كما في سورة طه، ولا شك أن الله استجاب له‏.‏

والشد‏:‏ الربط، وشأن العامل بعضو إذا أراد أن يعمل به عملاً متعباً للعضو أن يربط عليه لئلا يتفكك أو يعتريه كسر، وفي ضد ذلك قال تعالى ‏{‏ولما سقط في أيديهم‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 149‏]‏ وقولهم‏:‏ فُتَّ في عضده، وجعل الأخ هنا بمنزلة الرباط الذي يشد به‏.‏ والمراد‏:‏ أنه يؤيده بفصاحته، فتعليقه بالشد ملحق بباب المجاز العقلي‏.‏ وهذا كله تمثيل لحال إيضاح حجته بحال تقوية من يريد عملاً عظيماً أن يشد على يده وهو التأييد الذي شاع في معنى الإعانة والإمداد، وإلا فالتأييد أيضاً مشتق من اليد‏.‏ فأصل معنى ‏(‏أيد‏)‏ جعل يداً، فهو استعارة لإيجاد الإعانة‏.‏

والسلطان هنا مصدر بمعنى التسلط على القلوب والنفوس، أي مهابة في قلوب الأعداء ورعباً منكما كما ألقى على موسى محبة حين التقطه آل فرعون‏.‏ وتقدم معنى السلطان حقيقة في قوله تعالى ‏{‏فقد جعلنا لوليه سلطاناً‏}‏ في سورة الإسراء‏.‏

‏(‏33‏)‏ وفرع على جعل السلطان ‏{‏فلا يصلون إليكما‏}‏ أي لا يؤذونكما بسوء وهو القتل ونحوه‏.‏ فالوصول مستعمل مجازاً في الإصابة‏.‏ والمراد‏:‏ الإصابة بسوء، بقرينة المقام‏.‏

وقوله ‏{‏بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون‏}‏ يجوز أن يكون ‏{‏بآياتنا‏}‏ متعلقاً بمحذوف دل عليه قوله ‏{‏إلى فرعون وملائه‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 32‏]‏ تقديره‏:‏ اذهبا بآياتنا على نحو ما قدّر في قوله تعالى ‏{‏في تسع آيات إلى فرعون‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 12‏]‏ وقوله في سورة النمل بعد قوله ‏{‏وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 12‏]‏ أي اذهبا في تسع آيات‏.‏ وقد صرح بذلك في قوله في سورة الشعراء ‏(‏15‏)‏ ‏{‏قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون‏}‏

ويجوز أن يتعلق ب ‏{‏نجعل لكما سلطاناً‏}‏، أي سلطاناً عليهم بآياتنا حتى تكون رهبتهم منكما آية من آياتنا، ويجوز أن يتعلق ب ‏{‏لا يصلون إليكما‏}‏ أي يصرفون عن أذاكم بآيات منا كقول النبي صلى الله عليه وسلم «نُصِرتُ بالرعب» ويجوز أن يكون متعلقاً بقوله ‏{‏الغالبون‏}‏ أي تغلبونهم وتقهرونهم بآياتنا التي نؤيدكما بها‏.‏

وتقديم المجرور على متعلقه في هذا الوجه للاهتمام بعظمة الآيات التي سيعطيانها‏.‏ ويجوز أن تكون الباء حرف قسم تأكيداً لهما بأنهما الغالبون وتثبيتاً لقلوبهما‏.‏

وعلى الوجوه كلها فالآيات تشمل خوارق العادات المشاهدة مثل الآيات التسع، وتشمل المعجزات الخفية كصرف قوم فرعون عن الإقدام على أذاهما مع ما لديهم من القوة وما هم عليه من العداوة بحيث لولا الصرفة من الله لأهلكوا موسى وأخاه‏.‏

ومحل العبرة من هذا الجزء من القصة التنبيه إلى أن الرسالة فيض من الله على من اصطفاه من عباده وأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كرسالة موسى جاءته بغتة فنودي محمد في غار جبل حراء كما نودي موسى في جانب جبل الطور، وأنه اعتراه من الخوف مثل ما اعترى موسى، وأن الله ثبته كما ثبت موسى، وأن الله يكفيه أعداءه كما كفى موسى أعداءه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏36‏]‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

طوي ما بين نداء الله إياه وبين حضوره عند فرعون من الأحداث لعدم تعلق العبرة به‏.‏ وأسند المجيء بالآيات إلى موسى عليه السلام وحده دون هارون لأنه الرسول الأصلي الذي تأتي المعجزات على يديه بخلاف قوله ‏{‏فاذهبا بآياتنا‏}‏ في سورة الشعراء ‏(‏15‏)‏، وقوله ‏{‏بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 35‏]‏ إذ جعل تعلق الآيات بضميريها لأن معنى الملابسة معنى متسع فالمصاحب لصاحب الآيات هو ملابس له‏.‏

والآيات البينات هي خوارق العادات التي أظهرها، أي جاءهم بها آية بعد آية في مواقع مختلفة، قالوا عند كل آية ‏{‏ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين‏.‏

والمفترى‏:‏ المكذوب‏.‏ ومعنى كونها سحراً مكذوباً أنه مكذوب ادعاء أنه من عند الله وإخفاء كونه سحراً‏.‏

والإشارة في قوله ‏{‏وما سمعنا بهذا‏}‏ إلى ادعاء الرسالة من عند الله لأن ذلك هو الذي يسمع وأما الآيات فلا تسمع‏.‏ فمرجع اسمي الإشارة مختلف، أي ما سمعنا من يدعو آباءنا إلى مثل ما تدعو إليه فالكلام على حذف مضاف دل عليه حرف الظرفية، أي في زمن آبائنا‏.‏ وقد جعلوا انتفاء بلوغ مثل هذه الدعوة إلى آبائهم حتى تصل إليهم بواسطة آبائهم الأولين، دليلاً على بطلانها وذلك آخر ملجأ يلجأ إليه المحجوج المغلوب حين لا يجد ما يدفع به الحق بدليل مقبول فيفزع إلى مثل هذه التلفيقات والمباهتات‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏

‏{‏وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

لما قالوا قولاً صريحاً في تكذيبه واستظهروا على قولهم بأن ما جاء به موسى شيء من علمه آباؤهم أجاب موسى كلامهم بمثله في تأييد صدقه فإنه يعلمه الله، فما عِلْمُ آبائهم في جانب عِلْم الله بشيء، فلما تمسكوا بعلم آبائهم تمسك موسى بعلم الله تعالى، فقد احتج موسى بنفسه ولم يكل ذلك إلى هارون‏.‏

وكان مقتضى الاستعمال أن يُحكى كلام موسى بفعل القول غير معطوف بالواو شأن حكاية المحاورات كما قدمناه غير مرة، فخولف ذلك هنا بمجيء حرف العطف في قراءة الجمهور غير ابن كثير لأنه قصد هنا التوازن بين حجة ملأ فرعون وحجة موسى، ليظهر للسامع التفاوت بينهما في مصادفة الحق ويتبصر فساد أحدهما وصحة الآخر، وبضدها تتبين الأشياء، فلهذا عطفت الجملة جرياً على الأصل غير الغالب للتنبيه على أن فيه خصوصية غير المعهودة في مثله فتكون معرفة التفاوت بين المحتجين مُحالة على النظر في معناهما‏.‏ وقرأ ابن كثير ‏{‏قال موسى‏}‏ بدون واو وهي مرسومة في مصحف أهل مكة بدون واو على أصل حكاية المحاورات وقد حصل من مجموع القراءتين الوفاء بحق الخصوصيتين من مقتضى حالي الحكاية‏.‏ وعبر عن الله بوصف الربوبية مضافاً إلى ضميره للتنصيص على أن الذي يعلم الحق هو الإله الحق لا آلهتهم المزعومة‏.‏

ويظهر أن القبط لم يكن في لغتهم اسم على الرب واجب الوجود الحق ولكن أسماء آلهة مزعومة‏.‏

وعبر في جانب ‏{‏من جاء بالهدى‏}‏ بفعل المضي وفي جانب ‏{‏من تكون له عاقبة الدار‏}‏ بالمضارع لأن المجيء بالهُدى المحقق والمزعوم أمر قد تحقق ومضى سواء كان الجائي به موسى أم آباؤهم الأولون وعلماؤهم‏.‏ وأما كيان عاقبة الدار لمن فمرجو لما يظهر بعد‏.‏ ففي قوله ‏{‏ربي أعلم بمن جاء بالهدى‏}‏ إشهادٌ لله تعالى وكلام منصف، أي ربي أعلم بتعيين الجائي بالهدى أنحن أم أنتم على نحو قوله تعالى ‏{‏وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 24‏]‏‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏ومن تكون له عاقبة الدار‏}‏ تفويض إلى ما سيظهر من نصر أحد الفريقين على الآخر وهو تعريض بالوعيد بسوء عاقبتهم‏.‏

و ‏{‏عاقبة الدار‏}‏ كلمة جرت مجرى المثل في خاتمة الخير بعد المشقة تشبيهاً لعامل العمل بالسائر المنتجع إذا صادف دار خصب واستقرّ بها وقال الحمد لله الذي أحلّنا دار المُقامة من فضله‏.‏ فأصل عاقبة الدار‏:‏ الدار العاقبة‏.‏ فأضيفت الصفة إلى موصوفها‏.‏

والعاقبة‏:‏ هي الحالة العاقبة، أي التي تعقب، أي تجيء عقب غيرها، فيؤذن هذا اللفظ بتبدل حال إلى ما هو خير، فلذلك لا تطلق إلا على العاقبة المحمودة‏.‏ وقد تقدم في سورة ‏[‏الأنعام‏:‏ 135‏]‏ قوله ‏{‏فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار‏}‏ وفي سورة ‏[‏الرعد‏:‏ 22‏]‏ قوله ‏{‏أولئك لهم عقبى الدار‏}‏ وقوله ‏{‏وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 42‏]‏‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏تكون‏}‏ بالمثناة الفوقية على أصل تأنيث لفظ ‏{‏عاقبة الدار‏}‏ وقرأ حمزة والكسائي بالتحتية على الخيار في فعل الفاعل المجازيّ التأنيث‏.‏

وأيد ذلك كله بجملة ‏{‏إنه لا يفلح الظالمون‏}‏، دلالة على ثقته بأنه على الحق وذلك يفُتّ من أعضادهم، ويلقي رعب الشك في النجاة في قلوبهم‏.‏ وضمير ‏{‏إنه‏}‏ ضمير الشأن لأن الجملة بعده ذات معنى له شأن وخطر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏38‏]‏

‏{‏وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ‏(‏38‏)‏‏}‏

كلام فرعون المحكي هنا واقع في مقام غير مقام المحاورة مع موسى فهو كلام أقبل به على خطاب أهل مجلسه إثر المحاورة مع موسى فلذلك حُكي بحرف العطف عطف القصة على القصة‏.‏ فهذه قصة محاورة بين فرعون وملئه في شأن دعوة موسى فهي حقيقة بحرف العطف كما لا يخفى‏.‏

أراد فرعون بخطابه مع ملئه أن يثبتهم على عقيدة إلهيته فقال ‏{‏ما علمتُ لكم من إله غيري‏}‏ إبطالا لقول موسى المحكي في سورة ‏[‏الشعراء‏:‏ 26‏]‏ ‏{‏قال ربكم ورب آبائكم الأولين‏}‏ وقوله هناك ‏{‏رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 24‏]‏‏.‏ فأظهر لهم فرعون أن دعوة موسى لم تَرُجْ عنده وأنه لم يصدق بها فقال ‏{‏ما علمت لكم من إله غيري‏.‏

والمراد بنفي علمه بذلك نفي وجود إله غيره بطريق الكناية يريهم أنه أحاط علمه بكل شيء حق فلو كان ثمة إله غيره لعلمه‏.‏

والمقصود بنفي وجود إله غيره نفي وجود الإله الذي أثبته موسى وهو خالق الجميع‏.‏ وأما آلهتهم التي يزعمونها فإنها مما تقتضيه إلهية فرعون لأن فرعون عندهم هو مظهر الآلهة المزعومة عندهم لأنه في اعتقادهم ابن الآلهة وخلاصة سرهم، وكل الصيد في جوف الفرا‏.‏

وحيث قال موسى إن الإله الحق هو رب السموات فقد حسب فرعون أن مملكة هذا الرب السماء تصوراً مختلاً ففرع على نفي إله غيره وعلى توهم أن الرب المزعوم مقره السماء أن أمر ‏{‏هامان‏}‏ وزيره أن يبني له صرحاً يبلغ به عنان السماء ليرى الإله الذي زعمه موسى حتى إذا لم يجده رجع إلى قومه فأثبت لهم عدم إله في السماء إثبات معاينة، أراد أن يظهر لقومه في مظهر المتطلب للحق المستقصي للعوالم حتى إذا أخبر قومه بعد ذلك بأن نتيجة بحثه أسفرت عن كذب موسى ازدادوا ثقة ببطلان قول موسى عليه السلام‏.‏

وفي هذا الضغث من الجدل السفسطائي مبلغ من الدلالة على سوء انتظام تفكيره وتفكير ملئه، أو مبلغ تحيله وضعف آراء قومه‏.‏

و ‏{‏هامان‏}‏ لقب أو اسم لوزير فرعون كما تقدم آنفاً‏.‏ وأراد بقوله ‏{‏فأوقد لي يا هامان على الطين‏}‏ أن يأمر ‏{‏هامان‏}‏ العملة أن يطبخوا الطين ليكون آجراً ويبنوا به فكني عن البناء بمقدماته وهي إيقاد الأفران لتجفيف الطين المتخذ آجراً‏.‏ والآجرّ كانوا يبنون به بيوتهم فكانوا يجعلون قوالب من طين يتصلب إذا طبخ وكانوا يخلطونه بالتبن ليتماسك قبل إدخاله التنور كما ورد وصف صنع الطين في الإصحاح الخامس من سفر الخروج‏.‏

وابتدأ بأمره بأول أشغال البناء للدلالة على العناية بالشروع من أول أوقات الأمر لأن ابتداء البناء يتأخر إلى ما بعد إحضار مواده فلذلك أمره بالأخذ في إحضار تلك المواد التي أولها الإيقاد، أي إشعال التنانير لطبخ الآجرّ‏.‏

وعُبر عن الآجرّ بالطين لأنه قوام صنع الآجرّ وهو طين معروف‏.‏ وكأنه لم يأمره ببناء من حجر وكلس قصداً للتعجيل بإقامة هذا الصرح المرتفع إذ ليس مطلوباً طول بقائه بإحكام بنائه على مرّ العصور بل المراد سرعة الوصول إلى ارتفاعه كي يشهده الناس، ويحصل اليأس ثم يُنقض من الأساس‏.‏

وعدل عن التعبير بالآجرّ، قال ابن الأثير في «المثل السائر»‏:‏ لأن كلمة الآجرّ ونحوها كالقرمد والطوب كلمات مبتذلة فذكر بلفظ الطين اه‏.‏ وأظهر من كلام ابن الأثير‏:‏ أن العدول إلى الطين لأنه أخف وأفصح‏.‏

وإسناد الإيقاد على الطين إلى هامان مجاز عقلي باعتبار أنه الذي يأمر بذلك كما يقولون‏:‏ بنى السلطان قنطرة وبنى المنصور بغداد‏.‏

وتقدم ذكر هامان آنفاً وأنه وزير فرعون‏.‏ وكانت أوامر الملوك في العصور الماضية تصدر بواسطة الوزير فكان الوزير هو المنفذ لأوامر الملك بواسطة أعوانه من كتاب وأمراء ووكلاء ونحوهم، كل فيما يليق به‏.‏

والصرح‏:‏ القصر المرتفع، وقد تقدم عند قوله تعالى ‏{‏قيل لها ادخلي الصرح‏}‏ في سورة ‏[‏النمل‏:‏ 44‏]‏‏.‏

ورجا أن يصل بهذا الصرح إلى السماء حيث مقر إله موسى‏.‏ وهذا من فساد تفكيره إذ حسب أن السماء يوصل إليها بمثل هذا الصرح ما طال بناؤه، وأن الله مستقر في مكان من السماء‏.‏

والاطلاع‏:‏ الطلوع القوي المتكلف لصعوبته‏.‏

وقوله ‏{‏وإني لأظنه من الكاذبين‏}‏ استعمل فيه الظن بمعنى القطع فكانت محاولته الوصول إلى السماء لزيادة تحقيق ظنه، أو لأنه أراد أن يقنع قومه بذلك‏.‏ ولعله أراد بهذا تمويه الأمر على قومه ليلقي في اعتقادهم أن موسى ادعى أن الله في مكان معين يبلغ إليه ارتفاع صرحه‏.‏ ثم يجعل عدم العثور على الإله في ذلك الارتفاع دليلاً على عدم وجود الإله الذي ادعاه موسى‏.‏ وكانت عقائد أهل الضلالة قائمة على التخيل الفاسد، وكانت دلائلها قائمة على تمويه الدجالين من زعمائهم‏.‏

وقوله ‏{‏من الكاذبين‏}‏ يدل على أنه يعده من الطائفة الذين شأنهم الكذب كما تقدم في قوله تعالى ‏{‏قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 67‏]‏‏.‏

ولم يذكر القرآن أن هذا الصرح بُني، وليس هو أحد الأهرام لأن الأهرام بنيت من حجارة لا من آجرّ، ولأنها جعلت مدافن للذين بنوها من الفراعنة‏.‏ واختلف المفسرون هل وقع بناء هذا الصرح وتم أو لم يقع؛ فحكى بعضهم أنه تم وصعد فرعون إلى أعلاه ونزل وزعم أنه قتل رب موسى‏.‏ وحكى بعضهم أن الصرح سقط قبل إتمام بنائه فأهلك خلقاً كثيراً من عملة البناء والجند‏.‏ وحكى بعضهم أنه لم يشرع في بنائه‏.‏ وقد لاح لي في معنى الآية وجه آخر سأذكره في سورة المؤمن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏39‏]‏

‏{‏وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ‏(‏39‏)‏‏}‏

الاستكبار‏:‏ أشد من الكبر، أي تكبر تكبراً شديداً إذ طمع في الوصول إلى الرب العظيم وصول الغالب أو القرين‏.‏

و ‏{‏جنوده‏}‏‏:‏ أتباعه‏.‏ فاستكباره هو الأصل واستكبار جنوده تبع لاستكباره لأنهم يتّبعونه ويتلقون ما يمليه عليهم من العقائد‏.‏

و ‏{‏الأرض‏}‏ يجوز أن يراد بها المعهودة، أي أرض مصر وأن يراد بها الجنس، أي في عالم الأرض لأنهم كانوا يومئذ أعظم أمم الأرض‏.‏

وقوله ‏{‏بغير الحق‏}‏ حال لازمة لعاملها إذ لا يكون الاستكبار إلا بغير الحق‏.‏

وقوله ‏{‏وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون‏}‏ معلوم بالفحوى من كفرهم بالله، وإنما صرح به لأهمية إبطاله فلا يكتفى فيه بدلالة مفهوم الفحوى، ولأن في التصريح به تعريضاً بالمشركين في أنهم وإياهم سواء فليضعوا أنفسهم في أي مقام من مقامات أهل الكفر، وقد كان أبو جهل يلقب عند المسلمين بفرعون هذه الأمة أخذاً من تعريضات القرآن‏.‏

ومعنى ذلك‏:‏ ظنوا أن لا بعث ولا رجوع لأنهم كفروا بالمرجوع إليه‏.‏ فذكر ‏{‏إلينا‏}‏ لحكاية الواقع وليس بقيد فلا يتوهم أنهم أنكروا البعث ولم ينكروا وجود الله مثل المشركين‏.‏ وتقديم ‏{‏إلينا‏}‏ على عامله لأجل الفاصلة‏.‏

ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ وظنوا أنهم في منعة من أن يرجعوا في قبضة قدرتنا كما دل عليه قوله في سورة ‏[‏الشعراء‏:‏ 24- 25‏]‏ ‏{‏قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون‏}‏ استعجاباً من ذلك‏.‏ وعلى هذا الاحتمال فالتعريض بالمشركين باق على حاله فإنهم ظنوا أنهم في منعة من الاستئصال فقالوا ‏{‏اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏‏.‏

قرأ نافع وحمزة والكسائي ‏{‏لا يرجعون‏}‏ بفتح ياء المضارعة من ‏(‏رجع‏)‏‏.‏ وقرأه الباقون بضمها من ‏(‏أرجع‏)‏ إذا فعل به الرجوع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏40‏]‏

‏{‏فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ‏(‏40‏)‏‏}‏

أي ظنوا أنهم لا يرجعون إلينا فعجلنا بهلاكهم فإن ذلك من الرجوع إلى الله لأنه رجوع إلى حكمه وعقابه، ويعقبه رجوع أرواحهم إلى عقابه، فلهذا فرع على ظنهم ذلك الإعلام بأنه أخذ وجنوده‏.‏ وجعل هذا التفريع كالاعتراض بين حكاية أحوالهم‏.‏

وجعل في «الكشاف» هذا من الكلام الفخم لدلالته على عظمة شأن الله إذ كان قوله ‏{‏فنبذناهم في اليم‏}‏ يتضمن استعارة مكنية‏:‏ شبه هو وجنوده بحصيات أخذهن في كفه فطرحهن في البحر‏.‏ وإذا حمل الأخذ على حقيقته كان فيه استعارة مكنية أيضاً لأنه يستتبع تشبيهاً بقبضة تؤخذ باليد كقوله تعالى ‏{‏وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 14‏]‏ وقوله ‏{‏والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 67‏]‏‏.‏ ويجوز أن يجعل جميع ذلك استعارة تمثيلية كما لا يخفى‏.‏

وقوله ‏{‏فانظر كيف كان عاقبة الظالمين‏}‏ اعتبار بسوء عاقبتهم لأجل ظلمهم أنفسهم بالكفر وظلمهم الرسول بالاستكبار عن سماع دعوته‏.‏ وهذا موضع العبرة من سوق هذه القصة ليعتبر بها المشركون فيقيسوا حال دعوة محمد صلى الله عليه وسلم بحال دعوة موسى عليه السلام ويقيسوا حالهم بحال فرعون وقومه، فيوقنوا بأن ما أصاب فرعون وقومه من عقاب سيصيبهم لا محالة‏.‏ وهذا من جملة محل العبرة بهذا الجزء من القصة ابتداء من قوله تعالى ‏{‏فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 36‏]‏ ليعتبر الناس بأن شأن أهل الضلالة واحد فإنهم يتلقون دعاة الخير بالإعراض والاستكبار واختلاق المعاذير فكما قال فرعون وقومه ‏{‏ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 36‏]‏ قالت قريش ‏{‏بل افتراه بل هو شاعر‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 5‏]‏، وقالوا ‏{‏ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 7‏]‏ أي التي أدركناها‏.‏

وكما طمع فرعون أن يبلغ إلى الله استكباراً منه في الأرض سأل المشركون ‏{‏لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 21‏]‏ وظنوا أنهم لا يرجعون إلى الله كما ظن أولئك فيوشك أن يصيبهم من الاستئصال ما أصاب أولئك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏41‏]‏

‏{‏وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ‏(‏41‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏واستكبر هو وجنوده‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 39‏]‏ أي استكبروا فكانوا ينصرون الضلال ويبثونه، أي جعلناه وجنوده أيمة للضلالة المفضية إلى النار فكأنهم يدعون إلى النار فكل يدعو بما تصل إليه يده؛ فدعوة فرعون أمره، ودعوة كهنته باختراع قواعد الضلالة وأوهامها، ودعوة جنوده بتنفيذ ذلك والانتصار له‏.‏

والأيمة‏:‏ جمع إمام وهو من يقتدى به في عمل من خير أو شر قال تعالى ‏{‏وجعلناهم أيمة يهدون بأمرنا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 73‏]‏‏.‏ ومعنى جعلهم أيمة يدعون إلى النار‏:‏ خلق نفوسهم منصرفة إلى الشر ومعرضة عن الإصغاء للرشد وكان وجودهم بين ناس ذلك شأنهم‏.‏ فالجعل جعل تكويني بجعل أسباب ذلك، والله بعث إليهم الرسل لإرشادهم فلم ينفع ذلك فلذلك أصروا على الكفر‏.‏

والدعاء إلى النار هو الدعاء إلى العمل الذي يوقع في النار فهي دعوة إلى النار بالمآل‏.‏ وإذا كانوا يدعون إلى النار فهم من أهل النار بالأحرى فلذلك قال ‏{‏ويوم القيامة لا ينصرون‏}‏ أي لا يجدون من ينصرهم فيدفع عنهم عذاب النار‏.‏ ومناسبة عطف ‏{‏ويوم القيامة لا ينصرون‏}‏ هي أن الدعاء يقتضي جنداً وأتباعاً يعتزون بهم في الدنيا ولكنهم لا يجدون عنهم يوم القيامة ‏{‏وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 167‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏42‏]‏

‏{‏وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ‏(‏42‏)‏‏}‏

إتباعهم باللعنة في الدنيا جعل اللعنة ملازمة لهم في علم الله تعالى؛ فقدر لهم هلاكاً لا رحمة فيه، فعبر عن تلك الملازمة بالاتباع على وجه الاستعارة لأن التابع لا يفارق متبوعه، وكانت تلك عاقبة تلك اللعنة إلقاءهم في اليم‏.‏ ويجوز أن يراد باللعنة لعن الناس إياهم، يعني أن أهل الإيمان يلعنونهم‏.‏

وجزاؤهم يوم القيامة أنهم ‏{‏من المقبوحين‏}‏، والمقبوح المشتوم بكلمة ‏(‏قبح‏)‏، أي قبحه الله أو الناس، أي جعله قبيحاً بين الناس في أعماله أي مذموماً، يقال‏:‏ قبحه بتخفيف الباء فهو مقبوح كما في هذه الآية ويقال‏:‏ قبّحه بتشديد الباء إذا نسبه إلى القبيح فهو مقبّح، كما في حديث أم زرع مما قالت العاشرة‏:‏ «فعنده أقول فلا أقبّح» أي فلا يجعل قولي قبيحاً عنده غير مرضي‏.‏

والإشارة إلى الدنيا ب ‏{‏هذه‏}‏ لتهوين أمر الدنيا بالنسبة للآخرة‏.‏

والتخالف بين صيغتي قوله ‏{‏وأتبعناهم‏}‏ وقوله ‏{‏هم من المقبوحين‏}‏، لأن اللعنة في الدنيا قد انتهى أمرها بإغراقهم، أو لأن لعن المؤمنين إياهم في الدنيا يكون في أحيان يذكرونهم، فكلا الاحتمالين لا يقتضي الدوام فجيء معه بالجملة الفعلية‏.‏ وأما تقبيح حالهم يوم القيامة فهو دائم معهم ملازم لهم فجيء في جانبه بالاسمية المقتضية الدوام والثبات‏.‏

وضمير ‏{‏هم‏}‏ في قوله ‏{‏هم من المقبوحين‏}‏ ليس ضمير فصل ولكنه ضمير مبتدأ وبه كانت الجملة اسمية دالة على ثبات التقبيح لهم يوم القيامة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ‏(‏43‏)‏‏}‏

المقصود من الآيات السابقة ابتداء من قوله ‏{‏فلما آتاها نودي‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 30‏]‏ إلى هنا الاعتبار بعاقبة المكذبين القائلين ‏{‏ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 36‏]‏ ليقاس النظير على النظير، فقد كان المشركون يقولون مثل ذلك يريدون إفحام الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه لو كان الله أرسله حقاً لكان أرسل إلى الأجيال من قبله، ولما كان الله يترك الأجيال التي قبلهم بدون رسالة رسول ثم يرسل إلى الجيل الأخير، فكان قوله ‏{‏ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الأولى‏}‏ إتماماً لتنظير رسالة محمد صلى الله عليه وسلم برسالة موسى عليه السلام في أنها جاءت بعد فترة طويلة لا رسالة فيها، مع الإشارة إلى أن سبق إرسال الرسل إلى الأمم شيء واقع بشهادة التواتر، وأنه قد ترتب على تكذيب الأمم رسلهم إهلاك القرون الأولى فلم يكن ذلك موجباً لاستمرار إرسال الرسل متعاقبين بل كانوا يجيئون في أزمنة متفرقة؛ فإذا كان المشركون يحاولون بقولهم ‏{‏ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 36‏]‏ إبطال رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بعلة تأخر زمانها سفسطة ووهماً فإن دليلهم مقدوح فيه بقادح القلب بأن الرسل قد جاءوا إلى الأمم من قبل ثم جاء موسى بعد فترة من الرسل‏.‏ وقد كان المشركون لما بهرهم أمر الإسلام لاذوا باليهود يسترشدونهم في طرق المجادلة الدينية فكان المشركون يخلطون ما يلقنهم اليهود من المغالطات بما استقر في نفوسهم من تضليل أيمة الشرك فيأتون بكلام يلعن بعضه بعضاً، فمرة يقولون ‏{‏ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 36‏]‏ وهو من مجادلات الأميين، ومرة يقولون ‏{‏لولا أوتي مثل ما أوتي موسى‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 48‏]‏ وهو من تلقين اليهود، ومرة يقولون ‏{‏ما أنزل الله على بشر من شيء‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 91‏]‏، فكان القرآن يدمغ باطلهم بحجة الحق بإلزامهم تناقض مقالاتهم‏.‏ وهذه الآية من ذلك فهي حجة بتنظير رسالة محمد برسالة موسى عليهما الصلاة والسلام والمقصود منها ذكر القرون الأولى‏.‏

وأما ذكر إهلاكهم فهو إدماج للنذارة في ضمن الاستدلال‏.‏ وجملة ‏{‏ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى‏}‏ تخلص من قصة بعثة موسى عليه السلام إلى تأييد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم والمقصود قوله ‏(‏من بعد القرون الأولى‏)‏‏.‏

ثم إن القرآن أعرض عن بيان حكمة الفِتَر التي تسبق إرسال الرسل، واقتصر على بيان الحكمة في الإرسال عقبها لأنه المهم في مقام نقض حجة المبطلين للرسالة أو اكتفاء بأن ذلك أمر واقع لا يستطاع إنكاره وهو المقصود هنا، وأما حكمة الفصل بالفِتر فشيء فوق مراتب عقولهم‏.‏ فأشار بقوله ‏{‏بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون‏}‏ إلى بيان حكمة الإرسال عقب الفترة‏.‏ وأشار بقوله ‏{‏من بعد ما أهلكنا القرون الأولى‏}‏ إلى الأمم التي استأصلها الله لتكذيبها رسل الله‏.‏

فتأكيد الجملة بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المخاطبين منزلة المنكرين لوقوع ذلك حتى يحتاج معهم إلى التأكيد بالقسم، فموقع التأكيد هو قوله ‏{‏من بعد ما أهلكنا القرون الأولى‏}‏‏.‏

و ‏{‏الكتاب‏}‏‏:‏ التوراة التي خاطب الله بها موسى عليه السلام‏.‏ والبصائر‏:‏ جمع بصيرة، وهي إدراك العقل‏.‏ سُمي بصيرة اشتقاقاً من بصر العين، وجُعل الكتاب بصائر باعتبار عدة دلائله وكثرة بيّناته، كما في الآية الأخرى قال ‏{‏لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 102‏]‏‏.‏

و ‏{‏القرون الأولى‏}‏‏:‏ قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط‏.‏ والقرن‏:‏ الأمة، قال تعالى ‏{‏كم أهلكنا من قبلهم من قرن‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 6‏]‏‏.‏ وفي الحديث «خير القرون قرني»‏.‏

والناس هم الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل وقوم فرعون، ولمن يريد أن يهتدي بهديه مثل الذين تهودوا من عرب اليمن، و‏{‏هدى ورحمة‏}‏ لهم، ولمن يقتبس منهم قال تعالى ‏{‏إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏‏.‏ ومن جملة ما تشتمل عليه التوراة تحذيرها من عبادة الأصنام‏.‏

وضمير ‏{‏لعلهم يتذكرون‏}‏ عائد إلى الناس الذين خوطبوا بالتوراة، أي فكذلك إرسال محمد لكم هدى ورحمة لعلكم تتذكرون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏44‏]‏

‏{‏وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ‏(‏44‏)‏‏}‏

لما بطلت شبهتهم التي حاولوا بها إحالة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم نُقل الكلام إلى إثبات رسالته بالحجة الدامغة؛ وذلك بما أعلمه الله به من أخبار رسالة موسى مما لا قبل له بعلمه لولا أن ذلك وحي إليه من الله تعالى‏.‏ فهذا تخلص من الاعتبار بدلالة الالتزام في قصة موسى إلى الصريح من إثبات نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم

وجيء في الاستدلال بطريقة المذهب الكلامي حيث بُني الاستدلال على انتفاء كون النبي عليه الصلاة والسلام موجوداً في المكان الذي قضى الله فيه أمر الوحي إلى موسى، لينتقل منه إلى أن مثله ما كان يعمل ذلك إلا عن مشاهدة لأن طريق العلم بغير المشاهدة له مفقود منه ومن قومه إذ لم يكونوا أهل معرفة بأخبار الرسل كما كان أهل الكتاب، فلما انتفى طريق العلم المتعارف لأمثاله تعين أن طريق علمه هو إخبار الله تعالى إياه بخبر موسى‏.‏

ولما كان قوله ‏{‏وما كنت بجانب الغربي‏}‏ نفياً لوجوده هناك وحضوره تعين أن المراد من الشاهدين أهل الشهادة، أي الخبر اليقين، وهم علماء بني إسرائيل لأنهم الذين أشهدهم الله على التوراة وما فيها، ألا ترى أنه ذمهم بكتمهم بعض ما تتضمنه التوراة من البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم بقوله ‏{‏ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 140‏]‏‏.‏ والمعنى ما كنت من أهل ذلك الزمن ولا ممن تلقى أخبار ذلك بالخبر اليقين المتواتر من كتبهم يومئذ فتعين أن طريق علمك بذلك وحي الله تعالى‏.‏

والأمر المقضي‏:‏ هو أمر النبوءة لموسى إذ تلقاها موسى‏.‏

وقوله ‏{‏بجانب الغربي‏}‏ هو من إضافة الموصوف إلى صفته، وأصله بالجانب الغربي، وهو كثير في الكلام العربي وإن أنكره نحاة البصرة وأكثروا من التأويل، والحق جوازه‏.‏

والجانب الغربي هو الذي ذكر آنفاً بوصف ‏{‏شاطئ الواد الأيمن‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 30‏]‏ أي على بيت القبلة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏45‏]‏

‏{‏وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

خفي اتصال هذا الاستدراك بالكلام الذي قبله وكيف يكون استدراكاً وتعقيباً للكلام الأول برفع ما يتوهم ثبوته‏.‏

فبيانه أن قوله ‏{‏ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 43‏]‏ مسوق مساق إبطال تعجب المشركين من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم حين لم يسبقها رسالة رسول إلى آبائهم الأولين، كما علمت مما تقدم آنفاً، فذكرهم بأن الله أرسل موسى كذلك بعد فترة عظيمة، وأن الذين أرسل إليهم موسى أثاروا مثل هذه الشبهة فقالوا ‏{‏ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 36‏]‏ فكما كانت رسالة موسى عليه السلام بعد فترة من الرسل كذلك كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فالمعنى‏:‏ فكان المشركون حقيقين بأن ينظروا رسالة محمد برسالة موسى ولكن الله أنشأ قروناً أي أمماً بين زمن موسى وزمنهم فتطاول الزمن فنسي المشركون رسالة موسى فقالوا ‏{‏ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 7‏]‏‏.‏ وحذف بقية الدليل وهو تقدير‏:‏ فنسوا، للإيجاز لظهوره من قوله ‏{‏فتطاول عليهم العمر‏}‏ كما قال تعالى عن اليهود حين صاروا يحرفون الكلم عن مواضعه ‏{‏ونسوا حظاً مما ذكروا به‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 13‏]‏، وقال عن النصارى ‏{‏أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 14‏]‏ وقال لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏ولا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 16‏]‏، فضمير الجمع في قوله ‏{‏عليهم‏}‏ عائد إلى المشركين لا إلى القرون‏.‏

فتبين أن الاستدراك متصل بقوله ‏{‏ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 43‏]‏ وأن ما بين ذلك وبين هذا استطراد‏.‏ وهذا أحسن في بيان اتصال الاستدراك مما احتفل به صاحب «الكشاف»‏.‏ ولله دره في استشعاره، وشكر الله مبلغ جهده‏.‏ وهو بهذا مخالف لموقع الاستدراكين الآتيين بعده من قوله ‏{‏ولكنا كنا مرسلين‏}‏ وقوله ‏{‏ولكن رحمة من ربك‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 46‏]‏‏.‏ و‏{‏العمر‏}‏ الأمد كقوله ‏{‏فقد لبثت فيكم عمراً من قبله‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 16‏]‏‏.‏

‏{‏وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فى أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتنا وَلَكِنَّا مرسلين‏}‏‏.‏

هذا تكرير للدليل بمثل آخر مثل ما في قوله ‏{‏وما كنت بجانب الغرب‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 44‏]‏ أي ما كنت مع موسى في وقت التكليم ولا كنت في أهل مدين إذ جاءهم موسى وحدث بينه وبين شعيب ما قصصنا عليك‏.‏

والثواء‏:‏ الإقامة‏.‏

وضمير ‏{‏عليهم‏}‏ عائد إلى المشركين من أهل مكة لا إلى أهل مدْيَن لأن النبي صلى الله عليه وسلم يتلو آيات الله على المشركين‏.‏

والمراد بالآيات، الآيات المتضمنة قصة موسى في أهل مدين من قوله ‏{‏ولما توجه تلقاء مدين‏}‏ إلى قوله ‏{‏فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 22- 29‏]‏‏.‏ وبمثل هذا المعنى قال مقاتل وهو الذي يستقيم به نظم الكلام، ولو جعل الضمير عائداً إلى أهل مدين لكان أن يقال‏:‏ تشهد فيهم آياتنا‏.‏

وجملة ‏{‏تتلو عليهم آياتنا‏}‏ على حسب تفسير مقاتل في موضع الحال من ضمير ‏{‏كنت‏}‏ وهي حال مقدرة لاختلاف زمنها مع زمن عاملها كما هو ظاهر‏.‏ والمعنى‏:‏ ما كنت مقيماً في أهل مدين كما يقيم المسافرون فإذا قفلوا من أسفارهم أخذوا يحدثون قومهم بما شاهدوا في البلاد الأخرى‏.‏

والاستدراك في قوله ‏{‏ولكنا كنا مرسلين‏}‏ ظاهر، أي ما كنت حاضراً في أهل مدين فتعلم خبر موسى عن معاينة ولكنا كنا مرسلينك بوحينا فعلّمناك ما لم تكن تعلمه أنت ولا قومك من قبل هذا‏.‏

وعدل عن أن يقال‏:‏ ولكنا أوحينا بذلك، إلى قوله ‏{‏ولكنا كنا مرسلين‏}‏ لأن المقصد الأهم هو إثبات وقوع الرسالة من الله للرد على المشركين في قولهم وقول أمثالهم ‏{‏ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 36‏]‏ وتعلم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بدلالة الالتزام مع ما يأتي من قوله ‏{‏ولكن رحمة من ربك لتنذر قوماً‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 46‏]‏ الآية فالاحتجاج والتحدي في هذه الآية والآية التي قبلها تحد بما علمه النبي عليه الصلاة والسلام من خبر القصة الماضية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏46‏]‏

‏{‏وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ‏(‏46‏)‏‏}‏

جانب الطور‏:‏ هو الجانب الغربي، وهو الجانب الأيمن المتقدم وصفه بذينك الوصفين، فعري عن الوصف هنا لأنه صار معروفاً، وقيد الكون المنفي بظرف ‏{‏نادينا‏}‏ أي بزمن ندائنا‏.‏

وحذف مفعول النداء لظهور أنه نداء موسى من قبل الله تعالى وهو النداء لميقات أربعين ليلة وإنزال ألواح التوراة عقب تلك المناجاة كما حكي في الأعراف وكان ذلك في جانب الطور إذ كان بنو إسرائيل حول الطور كما قال تعالى ‏{‏يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 80‏]‏ وهو نفس المكان الذي نودي فيه موسى للمرة الأولى في رجوعه من ديار مدين كما تقدم، فالنداء الذي في قوله هنا ‏{‏إذ نادينا‏}‏ غير النداء الذي في قوله ‏{‏فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن‏}‏ إلى قوله ‏{‏أن يا موسى إني أنا الله‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 30‏]‏ الآية لئلا يكون تكراراً مع قوله‏:‏ ‏{‏وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 44‏]‏‏.‏ وهذا الاحتجاج بما علمه النبي صلى الله عليه وسلم من خبر استدعاء موسى عليه السلام للمناجاة‏.‏ وتلك القصة لم تذكر في هذه السورة وإنما ذكرت في سورة أخرى مثل سورة الأعراف‏.‏

وقوله ‏{‏ولكن رحمة من ربك‏}‏ كلمة ‏{‏لكن‏}‏ بسكون النون هنا باتفاق القراء فهي حرف لا عمل له فليس حرف عطف لفقدان شرطيه‏:‏ تقدم النفي أو النهي، وعدم الوقوع بعد واو عطف‏.‏ وعليه فحرف ‏{‏لكن‏}‏ هنا لمجرد الاستدراك لا عمل له وهو معترض‏.‏ والواو التي قبل ‏{‏لكن‏}‏ اعتراضية‏.‏

والاستدراك في قوله ‏{‏ولكن رحمة من ربك‏}‏ ناشئ عن دلالة قوله ‏{‏وما كنت بجانب الطور‏}‏ على معنى‏:‏ ما كان علمك بذلك لحضورك، ولكن كان علمك رحمة من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك‏.‏

فانتصاب ‏{‏رحمة‏}‏ مؤذن بأنه معمول لعامل نصب مأخوذ من سياق الكلام‏:‏ إما على تقدير كون محذوف يدل عليه نفي الكون في قوله ‏{‏وما كنت بجانب الطور‏}‏، والتقدير‏:‏ ولكن كان علمك رحمة منا؛ وإما على المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله، والتقدير‏:‏ ولكن رحمناك رحمة بأن علمناك ذلك بالوحي رحمة، بقرينة قوله ‏{‏لتنذر قوماً‏}‏‏.‏

ويجوز أن يكون ‏{‏رحمة‏}‏ منصوباً على المفعول لأجله معمولاً لفعل ‏{‏لتنذر‏}‏ فيكون فعل ‏{‏لتنذر‏}‏ متعلقاً بكون محذوف هو مصب الاستدراك‏.‏ وفي هذه التقادير توفير معان وذلك من بليغ الإيجاز‏.‏ وعدل عن‏:‏ رحمة منا، إلى ‏{‏رحمة من ربك‏}‏ بالإظهار في مقام الإضمار لما يشعر به معنى الرب المضاف إلى ضمير المخاطب من العناية به عناية الرب بالمربوب‏.‏

ويتعلق ‏{‏لتنذر قوماً‏}‏ بما دل عليه مصدر ‏{‏رحمة‏}‏ على الوجوه المتقدمة‏.‏ واللام للتعليل‏.‏ والقوم‏:‏ قريش والعرب، فهم المخاطبون ابتداءً بالدين وكلهم لم يأتهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم وأما إبراهيم واسماعيل عليهما السلام فكانا نذيرين حين لم تكن قبيلة قريش موجودة يومئذ ولا قبائل العرب العدنانية، وأما القحطانية فلم يرسل إليهم إبراهيم لأن اشتقاق نسب قريش كان من عدنان وعدنان بينه وبين إسماعيل قرون كثيرة‏.‏

وإنما اقتصر على قريش أو على العرب دون سائر الأمم التي بعث إليها النبي صلى الله عليه وسلم لأن المنة عليهم أوفى إذ لم تسبق لهم شريعة من قبل فكان نظامهم مختلاً غير مشوب بإثارة من شريعة معصومة، فكانوا في ضرورة إلى إرسال نذير، وللتعريض بكفرانهم هذه النعمة، وليس في الكلام ما يقتضي تخصيص النذارة بهم ولا ما يقتضي أن غيرهم ممن أنذرهم محمد صلى الله عليه وسلم لم يأتهم نذير من قبله مثل اليهود والنصارى وأهل مدين‏.‏

وفي قوله ‏{‏لتنذر‏}‏ مع قوله ‏{‏ما أتاهم من نذير‏}‏ إشارة إلى أنهم بلغوا بالكفر حداً لا يتجاوزه حلم الله تعالى‏.‏

والتذكر‏:‏ هو النظر العقلي في الأسباب التي دعت إلى حكمة إنذارهم وهي تناهي ضلالهم فوق جميع الأمم الضالة إذ جمعوا إلى الإشراك مفاسد جمة من قتل النفوس، وارتزاق بالغارات وبالمقامرة، واختلاط الأنساب، وانتهاك الأعراض‏.‏ فوجب تذكيرهم بما فيه صلاح حالهم‏.‏

وتقدم آنفاً نظير قوله ‏{‏لعلهم يتذكرون‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏47‏]‏

‏{‏وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏47‏)‏‏}‏

هذا متصل بقوله ‏{‏لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 46‏]‏، لأن الإنذار يكون بين يدي عذاب‏.‏

و ‏{‏لولا‏}‏ الأولى حرف امتناع لوجود، أي انتفاء جوابها لأجل وجود شرطها وهو حرف يلزم الابتداء فالواقع بعده مبتدأ والخبر عن المبتدأ الواقع بعد ‏{‏لولا‏}‏ واجب الحذف وهو مقدر بكون عام‏.‏ والمبتدأ هنا هو المصدر المنسبك من ‏{‏أن‏}‏ وفعل ‏{‏تصيبهم‏}‏ والتقدير‏:‏ لولا إصابتهم بمصيبة، وقد عقب الفعل المسبوك بمصدر بفعل آخر وهو ‏{‏فيقولوا‏}‏، فوجب أن يدخل هذا الفعل المعطوف في الانسباك بمصدر، وهو معطوف بفاء التعقيب‏.‏ فهذا المعطوف هو المقصود مثل قوله تعالى ‏{‏أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 282‏]‏ فالمقصود هو «أن تذكر إحداهما الأخرى»‏.‏

وإنما حيك نظم الكلام على هذا المنوال ولم يقل‏:‏ ولولا أن يقولوا ربنا الخ حين تصيبهم مصيبة إلى آخره، لنكتة الاهتمام بالتحذير من إصابة المصيبة فوضعت في موضع المبتدأ دون موضع الظرف لتساوي المبتدأ المقصود من جملة شرط ‏{‏لولا‏}‏ فيصبح هو وظرفه عمدتين في الكلام، فالتقدير هنا‏:‏ ولولا إصابتهم بمصيبة يعقبها قولهم ‏{‏ربنا لولا أرسلت‏}‏ الخ لما عبأنا بإرسالك إليهم لأنهم أهل عناد وتصميم على الكفر‏.‏

فجواب ‏{‏لولا‏}‏ محذوف دل عليه ما تقدم من قوله ‏{‏وما كنت بجانب الغربي‏}‏ إلى قوله ‏{‏لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 44 46‏]‏، أي ولكنا أعذرنا إليهم بإرسالك لنقطع معذرتهم‏.‏ وجواب ‏{‏لولا‏}‏ محذوف دل عليه الكلام السابق، أي لولا الرحمة بهم بتذكيرهم وإنذارهم لكانوا مستحقين حلول المصيبة بهم‏.‏

و ‏{‏لولا‏}‏ الثانية حرف تحضيض، أي هلا أرسلت إلينا قبل أن تأخذنا بعذاب فتصلح أحوالنا وأنت غني عن عذابنا‏.‏ وانتصب ‏{‏فنتبع‏}‏ ‏(‏بأن‏)‏ مضمرة وجوباً في جواب التحضيض‏.‏

وضمير ‏{‏تصيبهم‏}‏ عائد إلى القوم الذين لم يأتهم نذير من قبل‏.‏ والمراد ‏{‏بما قدمت أيديهم‏}‏ ما سلف من الشرك‏.‏

والمصيبة‏:‏ ما يصيب الإنسان، أي يحل به من الأحوال، وغلب اختصاصها بما يحل بالمرء من العقوبة والأذى‏.‏

والباء في ‏{‏بما قدمت أيديهم‏}‏ للسببية، أي عقوبة كان سببها ما سبق على أعمالهم السيئة‏.‏ والمراد بها هنا عذاب الدنيا بالاستئصال ونحوه، وتقدم عند قوله تعالى ‏{‏فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم‏}‏ في سورة ‏[‏النساء‏:‏ 62‏]‏‏.‏ وهي ما يجترجونه من الأعمال الفاحشة‏.‏

و ‏(‏ما قدمت أيديهم‏)‏ ما اعتقدوه من الإشراك وما عملوه من آثار الشرك‏.‏

والأيدي مستعار للعقول المكتسبة لعقائد الكفر‏.‏ فشبه الاعتقاد القلبي بفعل اليد تشبيه معقول بمحسوس‏.‏

وهذه الآية تقتضي أن المشركين يستحقون العقاب بالمصائب في الدنيا ولو لم يأتهم رسول لأن أدلة وحدانية الله مستقرة في الفطرة ومع ذلك فإن رحمة الله أدركتهم فلم يصبهم بالمصائب حتى أرسل إليهم رسولاً‏.‏

ومعنى الآية على أصول الأشعري وما بينه أصحاب طريقته مثل القشيري وأبي بكر ابن العربي‏:‏ أن ذنب الإشراك لا عذر فيه لصاحبه لأن توحيد الله قد دعي إليه الأنبياء والرسل من عهد آدم بحيث لا يعذر بجهله عاقل فإن الله قد وضعه في الفطرة إذ أخذ عهده به على ذرية آدم كما أشار إليه قوله تعالى ‏{‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى‏}‏ كما بيناه في سورة ‏[‏الأعراف‏:‏ 172‏]‏‏.‏

ولكن الله يرأف بعباده إذا طالت السنون وانقرضت القرون وصار الناس مظنة الغفلة فيتعهدهم ببعثة الرسل للتذكير بما في الفطرة وليشرعوا لهم ما به صلاح الأمة‏.‏

فالمشركون الذين انقرضوا قبل البعثة المحمدية مؤاخذون بشركهم ومعاقبون عليه في الآخرة ولو شاء الله لعاقبهم عليه بالدنيا بالاستئصال ولكن الله أمهلهم، والمشركون الذين جارتهم الرسل ولم يصدقوهم مستحقون عذاب الدنيا زيادة على عذاب الآخرة، قال تعالى ‏{‏ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 21‏]‏‏.‏

وأما الفِرَق الذين يُعدّون دليل توحيد الله بالإلهية عقلياً مثل الماتريدية والمعتزلة فمعنى الآية على ظاهره، وهو قول ليس ببعيد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏48‏]‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ‏(‏48‏)‏‏}‏

الفاء فصيحة كالفاء في قول عباس بن الأحنف‏:‏

قالوا خراسان أقصى ما يُراد بنا *** ثم القفول فقد جئنا خراسانا

وتقدير الكلام‏:‏ فإن كان من معذرتهم أن يقولوا ذلك فقد أرسلنا إليهم رسولاً بالحق فلما جاءهم الحق لفقوا المعاذير وقالوا‏:‏ لا نؤمن به حتى نؤتى مثل ما أوتي موسى‏.‏

و ‏{‏الحق‏}‏‏:‏ هو ما في القرآن من الهدى‏.‏

وإثبات المجيء إليه استعارة بتشبيه الحق بشخص وتشبيه سماعه بمجيء الشخص، أو هو مجاز عقلي وإنما الجائي الرسول الذي يبلغه عن الله، فعبر عنه بالحق لإدماج الثناء عليه في ضمن الكلام‏.‏

ولما بهرتهم آيات الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجدوا من المعاذير إلا ما لقنهم اليهود وهو أن يقولوا‏:‏ ‏{‏لولا أوتي مثل ما أوتي موسى‏}‏، أي بأن تكون آياته مثل آيات موسى التي يقصها عليهم اليهود وقص بعضها القرآن‏.‏

وضمير ‏{‏يكفروا‏}‏ عائد إلى القوم من قوله ‏{‏لتنذر قوماً‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 46‏]‏ لتتناسق الضمائر من قوله ‏{‏ولولا أن تصيبهم‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 47‏]‏ وما بعده من الضمائر أمثاله‏.‏

فيشكل عليه أن الذين كفروا بما أوتي موسى هو قوم فرعون دون مشركي العرب فقال بعض المفسرين هذا من إلزام المماثل بفعل مثيله لأن الإشراك يجمع الفريقين فتكون أصول تفكيرهم واحدة ويتحد بهتانهم، فإن القبط أقدم منهم في دين الشرك فهم أصولهم فيه والفرع يتبع أصله ويقول بقوله، كما قال تعالى ‏{‏كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 52- 53‏]‏ أي متماثلون في سبب الكفر والطغيان فلا يحتاج بعضهم إلى وصية بعض بأصول الكفر‏.‏ وهذا مثل قوله تعالى ‏{‏غُلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غَلَبهم سيغلبون‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 2- 3‏]‏ ثم قال ‏{‏ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 4- 5‏]‏ أي بنصر الله إياهم إذ نصر المماثلين في كونهم غير مشركين إذ كان الروم يومئذ على دين المسيح‏.‏

فقولهم ‏{‏لولا أوتي مثل ما أوتي موسى‏}‏ من باب التسليم الجدلي، أو من اضطرابهم في كفرهم فمرة يكونون معطلين ومرة يكونون مشترطين‏.‏ والوجه أن المشركين كانوا يجحدون رسالة الرسل قاطبة‏.‏ وكذلك حكاية قولهم ‏{‏ساحران تظاهرا‏}‏ من قول مشركي مكة في موسى وهارون لما سمعوا قصتهما أو في موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام‏.‏ وهو الأظهر وهو الذي يلتئم مع قوله بعده ‏{‏وقالوا إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 48 49‏]‏‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏ساحران‏}‏ تثنية ساحر‏.‏ وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف ‏{‏قالوا سِحْران‏}‏ على أنه من الإخبار بالمصدر للمبالغة، أي قالوا‏:‏ هما ذوا سحر‏.‏

والتظاهر‏:‏ التعاون‏.‏

والتنوين في ‏{‏بكل‏}‏ تنوين عِوض عن المضاف إليه فيقدر المضاف إليه بحسب الاحتمالين إما بكل من الساحرين، وإما أن يقدر بكل من ادعى رسالة وهو أنسب بقول قريش لأنهم قالوا ‏{‏ما أنزل الله على بشر من شيء‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 91‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 50‏]‏

‏{‏قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏49‏)‏ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏50‏)‏‏}‏

أي أجب كلامهم المحكي من قولهم ‏{‏ساحران‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 48‏]‏ وقولهم ‏{‏إنا بكل كافرون‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 48‏]‏‏.‏

ووصف ‏(‏كتاب‏]‏ ب ‏{‏من عند الله‏}‏ إدماج لمدح القرآن والتوراة بأنهما كتابان من عند الله‏.‏ والمراد بالتوراة ما تشتمل عليه الأسفار الأربعة المنسوبة إلى موسى من كلام الله إلى موسى أو من إسناد موسى أمراً إلى الله لا كل ما اشتملت عليه تلك الأسفار فإن فيها قصصاً وحوادث ما هي من كلام الله‏.‏ فيقال للمصحف هو كلام الله بالتحقيق ولا يقال لأسفار العهدين كلام الله إلا على التغليب إذ لم يدع ذلك المرسلان بكتابي العهد‏.‏ وقد تحداهم القرآن في هذه الآية بما يشتمل عليه القرآن من الهدى ببلاغة نظمه‏.‏ وهذا دليل على أن مما يشتمل عليه من العلم والحقائق هو من طرق إعجازه كما قدمناه في المقدمة العاشرة‏.‏

فمعنى ‏{‏فإن لم يستجيبوا لك‏}‏ إن لم يستجيبوا لدعوتك، أي إلى الدين بعد قيام الحجة عليهم بهذا التحدي، فاعلم أن استمرارهم على الكفر بعد ذلك ما هو إلا اتباع للهوى ولا شبهة لهم في دينهم‏.‏

ويجوز أن يراد بعدم الاستجابة عدم الإتيان بكتاب أهدى من القرآن لأن فعل الاستحابة يقتضي دعاء ولا دعاء في قوله ‏{‏فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما‏}‏ بل هو تعجيز، فالتقدير‏:‏ فإن عجزوا ولم يستجيبوا لدعوتك بعد العجز فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، أي لا غير‏.‏ واعلم أن فعل الاستجابة بزيادة السين والتاء يتعدى إلى الدعاء بنفسه ويتعدى إلى الداعي باللام، وحينئذ يحذف لفظ الدعاء غالباً فقلما قيل‏:‏ استجاب الله له دعاءه، بل يقتصر على‏:‏ استجاب الله له، فإذا قالوا‏:‏ دعاه فاستجابه كان المعنى فاستجاب دعاءه‏.‏ وهذا كقوله ‏{‏فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله‏}‏ في سورة ‏[‏هود‏:‏ 14‏]‏‏.‏

و ‏{‏أنما‏}‏ المفتوحة الهمزة تفيد الحصر مثل ‏(‏إنما‏)‏ المكسورة الهمزة لأن المفتوحة الهمزة فرع عن المكسورتها لفظاً ومعنى فلا محيص من إفادتها مفادها، فالتقدير فاعلم أنهم ما يتبعون إلا أهواءهم‏.‏ وجيء بحرف ‏(‏إن‏)‏ الغالب في الشرط المشكوك على طريقة التهكم أو لأنها الحرف الأصلي‏.‏ وإقحام فعل ‏{‏فاعلم‏}‏ للاهتمام بالخبر الذي بعده كما تقدم في قوله تعالى ‏{‏واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه‏}‏ في سورة ‏[‏الأنفال‏:‏ 24‏]‏‏.‏

وقوله ‏{‏أتبعه‏}‏ جواب ‏{‏فأتوا‏}‏ أي إن تأتوا به أتبعه، وهو مبالغة في التعجيز لأنه إذا وعدهم بأن يتبع ما يأتون به فهو يتبعهم أنفسهم وذلك مما يوفر دواعيهم على محاولة الإتيان بكتاب أهدى من كتابه لو استطاعوه فإن لم يفعلوا فقد حق عليهم الحق ووجبت عليهم المغلوبية فكان ذلك أدل على عجزهم وأثبت في إعجاز القرآن‏.‏

وهذا من التعليق على ما تحقق عدم وقوعه، فالمعلق حينئذ ممتنع الوقوع كقوله

‏{‏قل إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 81‏]‏‏.‏ ولكونه ممتنع الوقوع أمر الله رسوله أن يقوله‏.‏ وقد فهم من قوله ‏{‏فإن لم يستجيبوا‏}‏ ومن إقحام ‏{‏فاعلم‏}‏ أنهم لا يأتون بذلك البتة وهذا من الإعجاز بالإخبار عن الغيب‏.‏

وجاء في آخر الكلام تذييل عجيب وهو أنه لا أحد أشد ضلالاً من أحد اتبع هواه المنافي لهدى الله‏.‏

و ‏{‏من‏}‏ اسم استفهام عن ذات مبهمة وهو استفهام الإنكار فأفاد الانتفاء فصار معنى الاسمية الذي فيه في معنى نكرة في سياق النفي أفادت العموم فشمل هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم وغيرهم‏.‏ وبهذا العموم صار تذييلاً وهو كقوله تعالى ‏{‏ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 140‏]‏‏.‏

وأطلق الاتباع على العمل بما تمليه إرادة المرء الناشئة عن ميله إلى المفاسد والأضرار تشبيهاً للعمل بالمشي وراء السائر، وفيه تشبيه الهوى بسائر، والهوى مصدر لمعنى المفعول كقول جعفر بن عُلبة‏:‏

هواي مع الركب اليمانين مصعد ***

وقوله ‏{‏بغير هدى من الله‏}‏ الباء فيه للملابسة وهو في موضع الحال من فاعل ‏{‏اتبع هواه‏}‏ وهو حال كاشفة لتأكيد معنى الهوى لأن الهوى لا يكون ملابساً للهدى الرباني ولا صاحبه ملابساً له لأن الهدى يرجع إلى معنى إصابة المقصد الصالح‏.‏

وجعل الهدى من الله لأنه حق الهدى لأنه وارد من العالم بكل شيء فيكون معصوماً من الخلل والخطأ‏.‏

ووجه كونه لا أضل منه أن الضلال في الأصل خطأ الطريق وأنه يقع في أحوال متفاوتة في عواقب المشقة أو الخطر أو الهلاك بالكلية، على حسب تفاوت شدة الضلال‏.‏ واتباع الهوى مع إلغاء إعمال النظر ومراجعته في النجاة يلقي بصاحبه إلى كثير من أحوال الضرّ بدون تحديد ولا انحصار‏.‏

فلا جرم يكون هذا الاتباع المفارق لجنس الهدى أشد الضلال فصاحبه أشد الضالين ضلالاً‏.‏

ثم ذيل هذا التدييل بما هو تمامه إذ فيه تعيين هذا الفريق المبهم الذي هو أشد الضالين ضلالاً فإنه الفريق الذين كانوا قوماً ظالمين، أي كان الظلم شأنهم وقوام قوميتهم ولذلك عبر عنهم بالقوم‏.‏

والمراد بالظالمين‏:‏ الكاملون في الظلم، وهو ظلم الأنفس وظلم الناس، وأعظمه الإشراك وإتيان الفواحش والعدوان، فإن الله لا يخلق في نفوسهم الاهتداء عقاباً منه على ظلمهم فهم باقون في الضلال يتخبطون فيه، فهم أضل الضالين، وهم مع ذلك متفاوتون في انتفاء هدى الله عنهم على تفاوتهم في التصلب في ظلمهم؛ فقد يستمر أحدهم زماناً على ضلاله ثم يقدر الله له الهدى فيخلق في قلبه الإيمان‏.‏ ولأجل هذا التفاوت في قابلية الإقلاع عن الضلال استمرت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم للإيمان في عموم المدعوين إذ لا يعلم إلا الله مدى تفاوت الناس في الاستعداد لقبول الهدى، فالهدى المنفي عن أن يتعلق بهم هنا هو الهدى التكويني‏.‏

وأما الهدى بمعنى الإرشاد فهو من عموم الدعوة‏.‏ وهذا معنى قول الأيمة من الأشاعرة أن الله يخاطب بالإيمان من يعلم أنه لا يؤمن مثل أبي جهل لأن التعلق التكويني غير التعلق التشريعي‏.‏

وبين ‏{‏هواه‏}‏ و‏{‏هدى‏}‏ جناس محرف وجناس خط‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏51‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ‏(‏51‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 47‏]‏ الآية، وما عطف عليها من قوله ‏{‏فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 48‏]‏‏.‏

والتوصيل‏:‏ مبالغة في الوصل، وهو ضم بعض الشيء إلى بعض يقال‏:‏ وصل الحبل إذا ضم قطعه بعضها إلى بعض فصار حبلاً‏.‏

والقول مراد به القرآن قال تعالى ‏{‏إنه لقول فصل‏}‏ ‏[‏الطارق‏:‏ 13‏]‏ وقال ‏{‏إنه لقول رسول كريم‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 40‏]‏، فالتعريف للعهد، أي القول المعهود‏.‏ وللتوصيل أحوال كثيرة فهو باعتبار ألفاظه وصل بعضه ببعض ولم ينزل جملة واحدة، وباعتبار معانيه وصل أصنافاً من الكلام‏:‏ وعداً، ووعيداً، وترغيباً، وترهيباً، وقصصاً ومواعظ وعبراً، ونصائح يعقب بعضها بعضاً وينتقل من فن إلى فن وفي كل ذلك عون على نشاط الذهن للتذكر والتدبر‏.‏

واللام و‏(‏قد‏)‏ كلاهما للتأكيد رداً عليه إذ جهلوا حكمة تنجيم نزول القرآن وذُكرت لهم حكمة تنجيمه هنا بما يرجع إلى فائدتهم بقوله ‏{‏لعلهم يذَّكَرون=‏}‏‏.‏ وذكر في آية سورة ‏[‏الفرقان‏:‏ 32‏]‏ حكمة أخرى راجعة إلى فائدة الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله ‏{‏وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنُثبِّت به فؤادك‏}‏ وفهم من ذلك أنهم لم يتذكروا‏.‏ وضمير ‏{‏لهم‏}‏ عائد إلى المشركين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 53‏]‏

‏{‏الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ‏(‏52‏)‏ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ‏(‏53‏)‏‏}‏

لمّا أفهم قوله ‏{‏لعلهم يتذكرون‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 51‏]‏ أنهم لم يفعلوا ولم يكونوا عند رجاء الراجي عقب ذلك بهذه الجملة المستأنفة استئنافاً بيانياً لأنها جواب لسؤال من يسأل هل تذكر غيرهم بالقرآن أو استوى الناس في عدم التذكر به‏.‏ فأجيب بأن الذين أوتوا الكتاب من قبل نزول القرآن يؤمنون به إيماناً ثابتاً‏.‏

والمراد بالذين أوتوا الكتاب طائفة معهودة من أهل الكتاب شهد الله لهم بأنهم يؤمنون بالقرآن ويتدبرونه وهم بعض النصارى ممن كان بمكة مثل ورقة بن نوفل، وصهيب، وبعض يهود المدينة مثل عبد الله بن سلام ورفاعة بن رفاعة القرظي ممن بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر النبي إلى المدينة فلما هاجر أظهروا إسلامهم‏.‏

وقيل‏:‏ أريد بهم وفد من نصارى الحبشة اثنا عشر رجلاً بعثهم النجاشي لاستعلام أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فجلسوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا به وكان أبو جهل وأصحابه قريباً منهم يسمعون إلى ما يقولون فلما قاموا من عند النبي صلى الله عليه وسلم تبعهم أبو جهل ومن معه فقال لهم‏:‏ خيَّبكم الله من ركب وقبحكم من وفد لم تلبثوا أن صدقتموه، فقالوا‏:‏ سلام عليكم لم نأل أنفسنا رشداً لنا أعمالنا ولكم أعمالكم‏.‏ وبه ظهر أنهم لما رجعوا أسلم النجاشي وقد أسلم بعض نصارى الحبشة لما وفد إليهم أهل الهجرة إلى الحبشة وقرأوا عليهم القرآن وأفهموهم الدين‏.‏

وضمير ‏{‏من قبله‏}‏ عائد إلى القول من ‏{‏ولقد وصلنا لهم القول‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 51‏]‏، وهو القرآن‏.‏ وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في ‏{‏هم به يؤمنون‏}‏ لتقوي الخبر‏.‏ وضمير الفصل مقيد للقصر الإضافي، أي هم يوقنون بخلاف هؤلاء الذين وصلنا لهم القول‏.‏

ومجيء المسند مضارعاً للدلالة على استمرار إيمانهم وتجدده‏.‏

وحكاية إيمانهم بالمضي في قوله ‏{‏آمنا به‏}‏ مع أنهم يقولون ذلك عند أول سماعهم القرآن‏:‏ إما لأن المضي مستعمل في إنشاء الإيمان مثل استعماله في صيغ العقود، وإما لللإشارة إلى أنهم آمنوا به من قبل نزوله، أي آمنوا بأنه سيجيء رسول بكتاب مصدق لما بين يديه، يعني إيماناً إجمالياً يعقبه إيمان تفصيلي عند سماع آياته‏.‏ وينظر إلى هذا المعنى قوله ‏{‏إنا كنا من قبله مسلمين‏}‏، أي مصدقين بمجيء رسول الإسلام‏.‏

ويجوز أن يراد ب ‏{‏مسلمين‏}‏ موحدين مصدقين بالرسل فإن التوحيد هو الإسلام كما قال إبراهيم ‏{‏فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 132‏]‏‏.‏

وجملة ‏{‏إنه الحق من ربنا‏}‏ في موقع التعليل لجملة ‏{‏آمنا به‏}‏‏.‏

وجملة ‏{‏إنا كنا من قبله مسلمين‏}‏ بيان لمعنى ‏{‏آمنا به‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏54- 55‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ‏(‏54‏)‏ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ‏(‏55‏)‏‏}‏

التعبير عنهم باسم الإشارة هنا للتنبيه على أنهم أحرياء بما سيذكر بعد اسم الإشارة من أجل الأوصاف التي ذكرت قبل اسم الإشارة مثل ما تقدم في قوله ‏{‏أولئك على هدى من ربهم‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 5‏]‏‏.‏

عَدَّ الله لهم سبع خصال من خصال أهل الكمال‏:‏

إحداها‏:‏ أخروية، وهي ‏{‏يؤتون أجرهم مرتين‏}‏ أي أنهم يؤتون أجرين على إيمانهم، أي يضاعف لهم الثواب لأجل أنهم آمنوا بكتابهم من قبل ثم آمنوا بالقرآن، فعبر عن مضاعفة الأجر ضعفين بالمرتين تشبيهاً للمضاعفة بتكرير الإيتاء وإنما هو إيتاء واحد‏.‏

وفائدة هذا المجاز إظهار العناية حتى كأن المثيب يعطي ثم يكرر عطاءه ففي ‏{‏يؤتون أجرهم مرتين‏}‏ تمثيلة‏.‏ وفي الصحيح عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين‏:‏ رجل من أهل الكتاب آمن بنبيئه وأدركني فآمن بي واتبعني وصدقني فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله تعالى وحق سيده فله أجران، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثم أدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران» رواه الشعبي وقال لعطاء الخراساني‏:‏ خذه بغير شيء فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة‏.‏

والثانية‏:‏ الصبر، والصبر من أعظم خصال البر وأجمعها للمبرات، وأعونها على الزيادة والمراد بالصبر صبرهم على أذى أهل ملتهم أو صبرهم على أذى قريش، وهذا يتحقق في مثل الوفد الحبشي‏.‏ ولعلهم المراد من هذه الآية ولذلك أتبع بقوله ‏{‏ويدرؤون بالحسنة السيئة‏}‏ وقوله ‏{‏وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم‏}‏‏.‏

والخصلة الثالثة‏:‏ درؤهم السيئة بالحسنة وهي من أعظم خصال الخير وأدعاها إلى حسن المعاشرة قال تعالى ‏{‏ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 34‏]‏، فيحصل بذلك فائدة دفع مضرة المسيء عن النفس، وإسداء الخير إلى نفس أخرى، فهم لم يردوا جلافة أبي جهل بمثلها ولكن بالإعراض مع كلمة حسنة وهي ‏{‏سلام عليكم‏}‏‏.‏

وأما الإنفاق فلعلهم كانوا ينفقون على فقراء المسلمين بمكة، وهو الخصلة الرابعة ولا يخفى مكانها من البر‏.‏

والخصلة الخامسة‏:‏ الإعراض عن اللغو، وهو الكلام العبث الذي لا فائدة فيه، وهذا الخلق من مظاهر الحكمة، إذ لا ينبغي للعاقل أن يشغل سمعه ولُبّه بما لا جدوى له وبالأولى يتنزه عن أن يصدر منه ذلك‏.‏

والخصلة السادسة‏:‏ الكلام الفصل وهو قولهم ‏{‏لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم‏}‏ وهذا من أحسن ما يجاب به السفهاء وهو أقرب لإصلاحهم وأسلم من تزايد سفههم‏.‏

ولقد أنطقهم الله بحكمة جعلها مستأهلة لأن تُنظم في سلك الإعجاز فألهمهم تلك الكلمات ثم شرّفها بأن حيكت في نسج القرآن، كما ألهم عمر قوله

‏{‏عسى ربه إن طلقكن‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 5‏]‏ الآية‏.‏

ومعنى ‏{‏لنا أعمالنا ولكم أعمالكم‏}‏ أن أعمالنا مستحقة لنا كناية عن ملازمتهم إياها وأما قولهم ‏{‏ولكم أعمالكم‏}‏ فهو تتميم على حد ‏{‏لكم دينكم ولي دين‏}‏ ‏[‏الكافرون‏:‏ 6‏]‏‏.‏

والمقصود من السلام أنه سلام المتاركة المكنى بها عن الموادعة أن لا نعود لمخاطبتكم قال الحسن‏:‏ كلمة‏:‏ السلام عليكم، تحية بين المؤمنين، وعلامة الاحتمال من الجاهلين‏.‏ ولعل القرآن غير مقالتهم بالتقديم والتأخير لتكون مشتملة على الخصوصية المناسبة للإعجاز لأن تأخير الكلام الذي فيه المتاركة إلى آخر الخطاب أولى ليكون فيه براعة المقطع‏.‏

وحذف القرآن قولهم‏:‏ لم نأل أنفسنا رشداً، للاستغناء عنه بقولهم ‏{‏لنا أعمالنا ولكم أعمالكم‏}‏‏.‏

السابعة‏:‏ ما أفصح عنه قولهم ‏{‏لا نبتغي الجاهلين‏}‏ من أن ذلك خلقهم أنهم يتطلبون العلم ومكارم الأخلاق‏.‏ والجملة تعليل للمتاركة، أي لأنا لا نحب مخالطة أهل الجهالة بالله وبدين الحق وأهل خُلق الجهل الذي هو ضد الحلم، فاستعمل الجهل في معنييه المشترك فيها ولعله تعريض بكنية أبي جهل الذي بذا عليهم بلسانه‏.‏

والظاهر أن هذه الكلمة يقولونها بين أنفسهم ولم يجهروا بها لأبي جهل وأصحابه بقرينة قوله ‏{‏ويدرأون بالحسنة السيئة‏}‏ وقوله ‏{‏سلام عليكم‏}‏ وبذلك يكون القول المحكي قولين‏:‏ قول وجهوه لأبي جهل وصحبه، وقول دار بين أهل الوفد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏56‏]‏

‏{‏إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ‏(‏56‏)‏‏}‏

لما ذكر معاذير المشركين وكفرهم بالقرآن، وأعلم رسوله أنهم يتبعون أهواءهم وأنهم مجردون عن هدى الله، ثم أثنى على فريق من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، وكان ذلك يحزن النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرض قريش وهم أخص الناس به عن دعوته أقبل الله على خطاب نبيئه صلى الله عليه وسلم بما يسلي نفسه ويزيل كمده بأن ذكّره بأن الهدى بيد الله‏.‏ وهو كناية عن الأمر بالتفويض في ذلك إلى الله تعالى‏.‏

والجملة استئناف ابتدائي‏.‏ وافتتاحها بحرف التوكيد اهتمام باستدعاء إقبال النبي عليه السلام على علم ما تضمنته على نحو ما قررناه آنفاً في قوله ‏{‏فاعلم أنما يتبعون أهواءهم‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 50‏]‏‏.‏ ومفعول ‏{‏أحببت‏}‏ محذوف دل عليه ‏{‏لا تهدي‏}‏‏.‏

والتقدير‏:‏ من أحببت هديه أو اهتداءه‏.‏ وما صدق ‏{‏من‏}‏ الموصولة كل من دعاه النبي إلى الإسلام فإنه يحب اهتداءه‏.‏

وقد تضافرت الروايات على أن من أول المراد بذلك أبا طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم قد اغتم لموته على غير الإسلام كما في الأحاديث الصحيحة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ أجمع المسلمون أنها نزلت في أبي طالب‏.‏ وقال الطبري‏:‏ وذكر أن هذه الآية نزلت من أجل امتناع أبي طالب عمه من إجابته إذ دعاه إلى الإيمان بالله وحده‏.‏ قال القرطبي‏:‏ وهو نص حديث البخاري ومسلم وقد تقدم ذلك في براءة‏.‏

وهذا من العام النازل على سبب خاص فيعمه وغيره وهو يقتضي أن تكون هذه السورة نزلت عقب موت أبي طالب وكانت وفاة أبي طالب سنة ثلاث قبل الهجرة، أو كان وضع هذه الآية عقب الآيات التي قبلها بتوقيف خاص‏.‏

ومعنى ‏{‏ولكن الله يهدي من يشاء‏}‏ أنه يخلق من يشاء قابلاً للاهتداء في مدى معين وبعد دعوات محدودة حتى ينشرح صدره للإيمان فإذا تدبر ما خلقه الله عليه وحدده كثر في علمه وإرادته جعل منه الاهتداء، فالمراد الهداية بالفعل‏.‏ وأما قوله تعالى ‏{‏وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 52‏]‏ فهي الهداية بالدعوة والإرشاد فاختلف الإطلاقان‏.‏

ومفعول فعل المشيئة محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي من يشاء اهتداءه، والمشيئة تعرف بحصول الاهتداء وتتوقف على ما سبق من علمه وتقديره‏.‏

وفي قوله ‏{‏وهو أعلم بالمهتدين‏}‏ إيماء إلى ذلك، أي هو أعلم من كل أحد بالمهتدين في أحوالهم ومقادير استعدادهم على حسب ما تهيأت إليه فطرهم من صحيح النظر وقبول الخير واتقاء العاقبة والانفعال لما يلقى إليها من الدعوة ودلائلها‏.‏ ولكل ذلك حال ومدى ولكليهما أسباب تكوينية في الشخص وأسلافه وأسباب نمائه أو ضعفه من الكيان والوسط والعصر والتعقل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏57‏]‏

‏{‏وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏57‏)‏‏}‏

هذه بعض معاذيرهم قالها فريق منهم ممن غلبه الحياء على أن يكابر ويجاهر بالتكذيب، وغلبه إلف ما هو عليه من حال الكفر على الاعتراف بالحق، فاعتذروا بهذه المعذرة، فروي عن ابن عباس أن الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وناساً من قريش جاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحارث «إنا لنعلم أن قولك حق ولكنا نخاف إن اتبعنا الهدى معك ونؤمن بك أن يتخطفنا العرب من أرضنا ولا طاقة لنا بهم وإنما نحن أكلة رأس» ‏(‏أي أن جمعنا يشبعه الرأس الواحد من الإبل وهذه الكلمة كناية عن القلة‏)‏ فهؤلاء اعترفوا في ظاهر الأمر بأن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الهدى‏.‏

والتخطف‏:‏ مبالغة في الخطف، وهو انتزاع شيء بسرعة، وتقدم في قوله تعالى ‏{‏تخافون أن يتخطفكم الناس‏}‏ في سورة الأنفال ‏(‏26‏)‏‏.‏ والمراد‏:‏ يأسرنا الأعداء معهم إلى ديارهم، فرد الله عليهم بأن قريشاً مع قلتهم عدّاً وعدة أتاح الله لهم بلداً هو حرم آمن يكونون فيه آمنين من العدو على كثرة قبائل العرب واشتغالهم بالغارة على جيرتهم وجبى إليهم ثمرات كثيرة قروناً طويلة، فلو اعتبروا لعلموا أن لهم منعة ربانية وأن الله الذي أمنهم في القرون الخالية يؤمنهم إن استجابوا لله ورسوله‏.‏

والتمكين‏:‏ الجعل في مكان، وتقدم في قوله تعالى ‏{‏مكّنَّاهم في الأرض ما لم نمكن لكم‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏6‏)‏، وقوله في أول هذه السورة ‏(‏6‏)‏ ‏{‏ونمكن لهم في الأرض‏}‏ واستعمل هنا مجازاً في الإعداد والتيسير‏.‏

والجبي‏:‏ الجمع والجلب ومنه جباية الخراج‏.‏

والاستفهام إنكار أن يكون الله لم يمكن لهم حرماً‏.‏ ووجه الإنكار أنهم نزلوا منزلة من ينفي أن ذلك الحرم من تمكين الله فاستفهموا على هذا النفي استفهام إنكار‏.‏

وهذا الإنكار يقتضي توبيخاً على هذه الحالة التي نزلوا لأجلها منزلة من ينفي أن الله مكن لهم حرماً‏.‏

والواو عطفت جملة الاستفهام على جملة ‏{‏وقالوا‏}‏‏.‏ والتقدير‏:‏ ونحن مكنا لهم حرماً‏.‏

و ‏{‏كل شيء‏}‏ عام في كل ذي ثمرة وهو عموم عرفي، أي ثمر كل شيء من الأشياء المثمرة المعروفة في بلادهم والمجاورة لهم أو استعمل ‏{‏كل‏}‏ في معنى الكثرة‏.‏

و ‏{‏رزقاً‏}‏ حال من ‏{‏ثمرات‏}‏ وهو مصدر بمعنى المفعول‏.‏

ومعنى ‏{‏من لدنا‏}‏ من عندنا، والعندية مجاز في التكريم والبركة، أي رزقاً قدرناه لهم إكراماً فكأنه رزق خاص من مكان شديد الاختصاص بالله تعالى‏.‏

وقد حصل في خلال الرد لقولهم إدماج للامتنان عليهم بهذه النعمة ليحصل لهم وازعان عن الكفر بالمنعم‏:‏ وازع إبطال معذرتهم عن الكفر، ووازع التذكير بنعمة المكفور به‏.‏

وموقع الاستدراك في قوله ‏{‏ولكن أكثرهم لا يعلمون‏}‏ أنه متعلق بالكلام المسوق مساق الرد على قولهم ‏{‏إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا‏}‏ إذ التقدير‏:‏ أن تلك نعمة ربانية ولكن أكثرهم لا علم لهم فلذلك لم يتفطنوا إلى كُنه هذه النعمة فحسبوا أن الإسلام مفضضٍ إلى اعتداء العرب عليهم ظنّاً بأن حرمتهم بين العرب مزيّة ونعمة أسداها إليهم قبائل العرب‏.‏

وفعل ‏{‏لا يعلمون‏}‏ منزَّل منزلة اللازم فلا يقدَّر له مفعول، أي ليسوا ذوي علم ونظر بل هم جهلة لا يتدبّرون الأحوال‏.‏ ونُفِي العلم عن أكثرهم لأن بعضهم أصحاب رأي فلو نظروا وتدبروا لما قالوا مقالتهم تلك‏.‏

ولو قدر لفعل ‏{‏يعلمون‏}‏ مفعول دل عليه الكلام، أي لا يعلمون تمكين الحرم لهم وأن جلب الثمرات إليهم من فضلنا لما استقام إسناد نفي العلم إلى أكثرهم بل كان يسند إلى جميعهم لإطباق كلمتهم على مقالة ‏{‏إن نتبع الهُدى معك نُتَخطَّف من أرضنا‏}‏‏.‏

وقرأ نافع وأبو جعفر ورويس عن يعقوب ‏{‏تُجْبَى‏}‏ بالمثناة الفوقية‏.‏ وقرأ الباقون بالياء التحتية مراعاة للمضاف إليه وهو ‏{‏كل شيء‏}‏ فأكسب المضاف تأنيثاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏58‏]‏

‏{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ‏(‏58‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏أوَ لم نمكّن لهم حرماً آمناً‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 57‏]‏ باعتبار ما تضمنته من الإنكار والتوبيخ، فإن ذلك يقتضي التعرض للانتقام شأن الأمم التي كفرت بنعم الله فهو تخويف لقريش من سوء عاقبة أقوام كانوا في مثل حالهم من الأمن والرزق فغمِطوا النعمة وقابلوها بالبطر‏.‏

والبطَر‏:‏ التكبر‏.‏ وفعله قاصر من باب فَرِح، فانتصاب ‏{‏معيشتها‏}‏ بعد ‏{‏بطرت‏}‏ على تضمين ‏{‏بطرت‏}‏ معنى ‏(‏كفرت‏)‏ لأن البَطر وهو التكبر يستلزم عدم الاعتراف بما يُسدى إليه من الخير‏.‏

والمراد‏:‏ بطِرت حالة معيشتها، أي نعمة عيشها‏.‏

والمعيشة هنا اسم مصدر بمعنى العيش والمراد حالته فهو على حذف مضاف دل عليه المقام، ويعلم أنها حالة حسنة من قوله‏:‏ ‏{‏بطرت‏}‏ وهي حالة الأمن والرزق‏.‏

والإشارة ب ‏(‏تلك‏)‏ إلى ‏{‏مساكنهم‏}‏ الذي بيّن به اسم الإشارة لأنه في قوة تلك المساكن‏.‏ وبذلك صارت الإشارة إلى حاضر في الذهن منزَّل منزلة الحاضر بمرأى السامع، ولذلك فقوله‏:‏ ‏{‏لم تُسكن من بعدهم‏}‏ خبر عن اسم الإشارة والتقدير‏:‏ فمساكنهم لم تُسكَن من بعدهم إلا قليلاً‏.‏

والسكنى‏:‏ الحلول في البيت ونحوه في الأوقات المعروفة بقصد الاستمرار زمناً طويلاً‏.‏

ومعنى ‏{‏لم تُسكْن من بعدهم‏}‏ لم يتركوا فيها خلفاً لهم‏.‏ وذلك كناية عن انقراضهم عن بكرة أبيهم‏.‏

وقوله ‏{‏إلا قليلاً‏}‏ احتراس أي إلا إقامة المارين بها المعتبرين بهلاك أهلها‏.‏

وانتصب ‏{‏قليلاً‏}‏ على الاستثناء من عموم أزمان محذوفةٍ‏.‏ والتقدير‏:‏ إلا زماناً قليلاً، أو على الاستثناء من مصدر محذوف‏.‏ والتقدير‏:‏ لم تسكن سكناً إلاّ سكناً قليلاً، والسَّكْن القليل‏:‏ هو مطلق الحلول بغير نية إطالة فهي إلمام لا سكنى‏.‏ فإطلاق السكنى على ذلك مشاكلة ليتأتى الاستثناء، أي لم تسكن إلا حلول المسافرين أو إناخة المنتجعين مثل نزول جيش غزوة تبوك بحجر ثمود واستقائهم من بئر الناقة‏.‏ والمعنى‏:‏ فتلك مساكنهم خاوية خلاء لا يعمرها عامر، أي أن الله قدر بقاءها خالية لتبقى عبرة وموعظة بعذاب الله في الدنيا‏.‏

وبهذه الآية يظهر تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم حين مرّ في طريقه إلى تبوك بحجْر ثمود فقال‏:‏ «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبك مثل ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين» أي خائفين أي اقتصاراً على ضرورة المرور لئلا يتعرضوا إلى تحقق حقيقة السكنى التي قدر الله انتفاءها بعد قومها فربما قدر إهلاك من يسكنها تحقيقاً لقدره‏.‏

وجملة ‏{‏وكنا نحن الوارثين‏}‏ عطف على جملة ‏{‏لم تُسكن من بعدهم‏}‏ وهو يفيد أنها لم تسكن من بعدهم فلا يحلُّ فيها قوم آخرون بعدهم فعُبِّر عن تداول السكنى بالإرث على طريقة الاستعارة‏.‏

وقصْر إرث تلك المساكن على الله تعالى حقيقي، أي لا يرثها غيرنا‏.‏ وهو كناية عن حرمان تلك المساكن من الساكن‏.‏ وتلك الكناية رمز إلى شدة غضب الله تعالى على أهلها الأولين بحيث تجاوز غضبه الساكنين إلى نفس المساكن فعاقبها بالحرمان من بهجة المساكن لأن بهجة المساكن سكانها، فإن كمال الموجودات هو به قوام حقائقها‏.‏